السودان وإمكانية الخروج من الحالة الانتقالية

خيري عمر - مركز دراسات الشرق الاوسط

304

تشهد مرحلة ما بعد عزل “عمر البشير”، الرئيس السوداني السابق جدلاً حول وضع ملامح الفترة الانتقالية، وخصوصاً ما يتعلق بصيغة نظام الحكم الانتقالي ودور المجلس العسكري، وفي هذا السياق، تبدو أهمية تناول مدى قدرة الأحزاب على تطوير منظورها للعلاقة مع الجيش ودور الأطراف الخارجية.

أ ) منقاشات السلطة الانتقالية

منذ الاستقلال، ظلت السياسة السودانية تدور حول مفردات انتقالية للحكم، تعكس في مضمونها انحسار التطور السياسي والاجتماعي، وهنا، تشكل استعادة الفترة الانتقالية لمدة أربع سنوات لمعالجة الأزمات وآثار الحرب الأهلية، وبدو ظهور مفردات كمجلس السيادة والحكم الانتقالي والسلطة التشريعية غير المنتخبة مؤشراً واضحاً على ظاهرتين، الأولى، وهي أن النظام السياسي لم يصل لمرحلة استقرار التقاليد المؤسسية في نقل السلطة، أما الثانية، فتعكس حدة الصراع بين الأحزاب السياسية حول توزيع السلطة.

الحرية والتغيير

وتضمن مقترح “الحرية والتغيير” في 22 نيسان/أبريل 2019، للمرحلة الانتقالية، تشكيل سلطة انتقالية لفترة أربع سنوات، تخضع فيها القوات المسلحة لقرارات السلطتين السيادية والتنفيذية، وقد نص المقترح على ثلاثة مستويات للسلطة الانتقالية ، يأتي في مقدمتها، تشكيل مجلس سيادة بالتوافق مع المجلس العسكري، ويتشكل من 7 مدنيين و3 عسكريين، كما تضمن المقترح أيضاً، تكوين مجلس للأمن القومي من سبعة عسكريين وثلاثة مدنيين بحكم عضويتهم في مجلس الوزراء، وهم رئيس الوزراء ووزير المالية ووزير الخارجية، و يختص بكل شؤون الدفاع والأمن ويرأسهما رئيس المجلس العسكري. كما نص على أن التحالف يختص بتشكيل مجلس للوزراء بصلاحيات تنفيذية كاملة، من 17 وزيرا بحد أقصى، وتكون له صلاحية إعلان الطوارئ ووضع السياسة العامة للدورة.

وفي هذا السياق، يقوم الموقف التفاوضي لاتحاد المهنيين على أهمية الفصل بين الوظائف المدنية والعسكرية، بحيث تكون وظائف العسكريين محددة في الأمن والدفاع لتشمل إعلان الحرب ومكافحة الإرهاب والتطرف، وبهذا المعنى، يميل لحصر اختصاصات العسكريين، فيما يبقي الصلاحيات الأخرى لمجلس السيادة.

وفيما يتعلق بشكل الدولة، تبنى مقترح تحالف التغيير مبدأ اللامركزية، بحيث يمكن تقسيم نظام الحكم لثلاثة تتضمن ثلاثة مستويات، المادة 6، هي، المستوى الاتحادي والإقليمي والمحلي، ويختص الحكم الاتحادي بالتعبير عن سيادة الدولة والشئون القومية والعلاقات الخارجية، فيما يختص الحكم المحلي بتقديم الخدمات وتنفيذ السياسة العامة، لكنه فيما يتعلق بالمستوى الإقليمي، لم يوضح المقترح طبيعة اختصاصات الحكومة الإقليمية.

وبشكل عام، يقترب نمط توزيع السلطة لدى “الحرية والتغيير” من اللامركزية السياسية، فبينما يزيد من صلاحيات الحكم المحلي، فإنه لايوضح الصلاحيات المتبادلة، وخصوصاً ما يتعلق بسياسات التمويل والسياسات الأمنية الانتقالية في ظل نظام شبه فيدرالي، تصعف فيه السلطة المركزية.

حزب الأمة القومي
تشير مواقف حزب الأمة إلى أن المجلس العسكري صار حليفاً للتغيير السياسي عندما رفض استعمال القوة ضد المدنيين، ويذهب إلى أن الأولوية هي لتحديد الصلاحيات الانتقالية قبل التفاوض عن شكل الهياكل وتكوينها، ويرى أن إطار “الحرية والتغيير” والمشاركين في الثورة يعد الإطار المناسب لمناقشة متطلبات المرحلة الانتقالية لتكون توافقية على اساس قبول المجلس العسكري بتسليم السلطة التنفيذية والتشريعية للمدنيين.

ووفقاً للصادق المهدي، يمكن منح مجلس السيادة صلاحيات رمزية شبيهة بما ورد في الدستور المؤقت عام 1956، فيما تكون الصلاحيات التنفيذية الكاملة لمجلس الوزراء، وصلاحيات تشريعية كاملة لمجلس تشريعي، ويضمن استقلال القضاء، إيجاد آلية عسكرية لما يمكن أن تفويضه في الأمن القومي، وفي هذا السياق، يعد الخلاف حول مدى الفترة الانتقالية أقل أهمية من الانتهاء من السلطة الفردية ومحاربة الفساد الواسع في النظام السابق.

المؤتمر الشعبي
بينما يحدد “المؤتمر الشعبي” 22 نيسان/ أبريل 2019 الفترة الانتقالية بعام واحد، فإنه يتلاقى مع مقترح “الحرية والتغيير” في سمات نظام الحكم، ويبدو أكثر تفصيلاً في تعريف الحكومة ومهامها وطبيعة اللامركزية، كما يميل في تشكيل المجالس الاتقالية على اساس الحصص التمثيلية، سواء حسب النوع أو العمر، حيث يقترح تمثيل المرأة والشباب والمهنيين في كل المؤسسات الددستورية .

ومن حيث التوجهات السياسية، يرى المؤتمر الشعبي أن تمثيل الأحزاب لا يتجاوز نصف المجلس التشريعي، وتمثل حركات المقاومة الإقليمية “ووجهاء الأقاليم 25% و المهنيين المستقلين 25%، وتكون مهمته النظر في الامور العاجلة وسن التشريعات الانتقالية ، فيما تسند مهمة صياغة الدستور الدائم لمجلس تأسيسي يتم انتخابه.

وفق المقترحات المعروضة، تساهم اللامركزية في تكوين مستويات من السلطة المفككة، فالعلاقة بينها تقوم على التوافق والتراضي، فيما تتراجع فكرة الإلزام القانوني، فالسلطة الانتقالية نقصاً في الشرعية السياسية، حيث هي نتيجة توافقات حزبية وليست تعبيراً عن الإرادة الشعبية، وبالتالي، تعكس اللامركزية نمطاً من الصلاحيات المتوازية بين الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية. وقد يساهم عدم وضوح العلاقة بين الحكومة والسلطة النقدية، بنك السودان، في إهتزاز البرنامج الزمني للفترة الانتقالية.

المجلس العسكري
أشار بيان الجيش، 11 نيسان/أبريل 2019 إلى أن دوافع إراحة البشير عن السلطة ترتبط بإنهيار أداء النظام السياسي وضعف المؤسسات، وذكر عدداً من المؤشرات، كان في مقدمتها، سوء الإدارة والفساد وزيادة حالة الفقر وانخفاض القدرة على تلبية الحاجات الضرورية.

وعلى أساس اعترافه باحتجاجات 19 كانون الأول/ديسمبر 2018، كتعبير عن رفض الحكومة وسياساتها الأمنية في مواجهة المحتجين، خلصت اللجنة الأمنية العليا إلى ضرورة عزل الرئيس عمر البشير، وبدء فترة انتقالية لمدة عامين، تتولى فيها القوات المسلحة بجانب تمثيل محدود للجنة الأمنية السلطة الانتقالية، تبدأ بعدة إجراءات، كان أهمها تعطيل دستور 2005 وإعلان حالة الطوارئ، وحل الحكومة، بالإضافة لفتح الفرصة لمشاركة الجماعات المسلحة للمشاركة في المرحلة الانتقالية.

وقد خلص تقييم المجلس العسكري إلى أن مقترح الإعلان الدستوري لـ”الحرية والتغيير”، يمكن أن يشكل بعض نقاطه اساساً للمرحلة الانتقالية، فيما رفض البنود الأخرى، ويمكن تصنيف موقف المجلس العسكري من مقترح “الحرية والتغير” في جانبين، الأول يتعلق بهوية الدولة تكون الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية مصدر التشريع، حيث اعتبر أن مشروع تحالف التغيير تجاهل هذه المسألة، غير أنه وفق الحزب الشيوعي، لا تتطلب المرحلة الانتقالية تحديد الهوية وهي مؤجلة للحسم في كتابة الدستور، وهنا، يصعب تفسير هذه المواقف بعيداً عن الاستقطاب الإسلامي ـ العلماني الذي يدفع باتجاه إثارة المسائل التفصيلية

أما الثاني، فتتعلق بتصورات المجلس العسكري بشأن هيكل نظام الحكم الانتقالي، لم يكن الخلاف حول شكل نظام الحكم كبيراً،  حيث تحفظ على إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية، حيث اهتم المجلس العسكري بتدقيق تفاصيل العلاقة بين السلطات وتوضيح الاختصصاصات، فمن حيث المبدأ يرى أن السلطات السيادية يختص بها مجلس السيادة، وليس فقط التمثيل الرمزي، ولذلك أكد على اختصاصه بسلطات الطوارئ.

ورغم أنه اعتبر الحوار مع الأحزاب السياسية ضرورياً، لكنه ذكر أنه في حالة عدم التوصل لنتائج، فقد يلجأ المجلس العسكري للانتخابات المبكرة، بمعنى تخفيض الفترة الانتقالية من سنتين غلى ستة أشهر، وبهذا المعنى يتجه الجيش لبدء فترة انتقالية قصيرة.

وفي وقت متزامن مع نشر الرد على مقترح ” الحرية والتغيير”، دعا المجلس العسكري الأحزاب والكيانات المختلفة والتحالفات والحركات والمنظمات المفوضين والأفراد الذين قدموا مقترحات بشأن المرحلة الانتقالية، وفق هذا التوجه يعمل المجلس العسكري على تكوين إطار واسع لمناقشة الإطار الانتقالي، بحيث لايقتصر الحوار على التنظيمات السياسية ويفتح الطريق أمام توسيع المشاركين في النقاش حول الفترة الانتقالية.

ب ) السياقات التنظيمية

بدت جبهة ” الحرية والتغيير”،  بيان 2 فبراير 2019، تحالفاً واسعاً يشمل كل الحركات السودانية، من اليسار واليمين، وصارت مواقفها أكثر توافقية، حيث قبلت بدخول الجماعات الصوفية، ضمن حملة شعبوية، للعمل السياسي عبر المشاركة في الاحتجاج ضد السلطة، وهو ما يمكن أن يمهد لحدوث تغيير لموقف الأحزاب القومية تجاه دور الدين في الشئون العامة. لكن تطوير هذا التوجه يتوقف على مدى تماسك الإطار السياسي لتحالف ” الحرية والتغيير” ، فمن جهة، يواجه التحالف تحدي تباين الأفكار والأيديولوجيا السياسية لمكوناته، ومن جهة أخرى، لا تساعد الطبيعة المؤقتة للتحالف على تطوير النقاش حول المسائل الفكرية لصالح عودة كل المكونات لمرجعياتها التنظيمية والفكرية.

وحسب ” تجمع المهنيين السوادنيين، 29  أبريل 2019، يمثل البيان التأسيسي لـ”إعلان الحرية والتغيير” ، 1 يناير 2019، ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي في 1989، حيث يركز على التصدي لجذور الأزمة السياسية ومعالجة تداعياتها، وهو ما يتمثل في وقف التدهور الاقتصادي والمشاركة في الثروة والسلطة، كما يتلاقى ايضاً على فكرة  الخلاص من نظام الإنقاذ واستبداله بحكومة انتقالية تستمر أربع سنوات، بحيث تكون السلطة الفعلية في مجلس الوزراء.

كما أنه من الناحية التنظيمية، تماثل تركيبة “الحرية والتغيير” مع عضوية المعارضة السودانية، التجمع الوطني، وهذا ما يفسر الانضواء السريع للأحزاب والتجمعات المهنية تحت مظلة الحرية والتغيير. هذه الظاهرة تكشف عن ركود في الأحزاب السودانية بشكل ينعكس سلبياً على فرصة الانتقال السياسي أو التحول الديمقراطي، فالتحالفات الحالية تبدو غير متجانسة، سواء من ناحية العضوية أو الأفكار السياسية.

يرى تجمع المهنيين 5 مايو 2019، أن تكوين إطار “الحرية والتغيير” يهدف لخلق كتلة سياسية تقود عملية الانتقال السياسي، لكنه يذهب إلى أن عدم اتساق مواقف بعض التنظيمات السياسية تجاه الالتزام بالقرارات الجماعية والخطاب الإعلامي وإصدار البيانات المنفردة والأحادية، ووصفها بالمصالح الحزبية المُتعجلة، سوف تؤدي لارتباك العمل الجماعي والجماهيري وترسخ أزمة الثقة.

أدى ظهور اختلاف في مواقف أعضاء “الحرية والتغيير” تجاه الوساطة مع المجلس العسكري، لإهتزاز مواقف التحالف، ولذلك أعلن بيان 5 مايو 2019، أن الاختلاف يعد من الظواهر المصاحبة للتحالفات السياسية، حيث تتنوع المرجعية الفكرية للأحزاب، ولذلك واقترح التحالف وضع سياسة إعلامية لترويج المواقف المشتركة.

المؤسسة العسكرية
تبدو الجهات العسكرية في السودان غير مماثلة للجيوش التقليدية، فخلال المراحل الأخيرة لحكم البشير، تشكلت عدة أجهزة، يمكن أن تشكل منافساً للجيش، فبجانب تكوين اللجنة الأمنية العليا من القوات المسلحة والشرطة، وجهاز الأمن والمخابرات، وقوات الدعم السريع، يسعى المجلس العسكري للاحتفاظ بقوات الدفاع الشعبي، وهو ما يساعد على وجود حالة توازن بين الأجهزة المختلفة؛ حيث العسكرية التقليدية والقوات النظامية، وهنا يشير البيان الأول لنقطة مهمة، وهي أنه لاتوجد جهة عسكري أو أمنية تستطيع الانفراد بالقرار، فخروج البيان دون الإعلان عن تشكيل المجلس العسكري، يكشف عن تعدد مراكز النفوذ والتي ظهرت لاحقاً في استقالة
وزير الدفاع السابق ( عبد الرحمن بنعوف) واستبعاد ثلاثة ضباط أخرين، كما أن وجود منصب نائب رئيس المجلس، قد يعني أن العسكريين يخططون للبقاء كجهاز سياسي للفترة الانتقالية

ج ) ملامح الدخول للمرحلة الانتقالية

الأحزاب والمجلس العسكري
مع بداية الإعلان عن عزل البشير، ساد اتجاه عام لرفض البيان الأول للمجلس العسكري، واعتبره تحالف التغيير لا يعبر عن القوات المسلحة، حيث أبقى على العديد من رموز المؤتمر الوطني، كما أنه لم يلبي مطالب  ” الحرية والتغيير” المتمثلة في التقويض الكامل للرئيس البشير ونظامه، ولذلك كانت توجهاتهم وحزب الأمة نحو حصر صلاحياته كرمز لسيادة الدولة، فيما يضطلع مجلس الوزراء بالسلطة السيادية، ولذلك خلصت مقترحاتهم لأهمية توسيع تمثيل المدنيين في السلطة الانتقالية وحصر دور الجيش والأجهزة الأمنية في مهام الدفاع والأمن.

وفيما يرى “المؤتمر الشعبي” أن المجلس العسكري يعد صيغة مقبولة للمرحلة الاتنقالية، تتلاقى الأحزاب والكيانات اليسارية على أنه يشكل تهديداً للانتقال للحكم المدني، ويعتبر التفاوض مع الأحزاب في العسكري فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه السياسية، وويميل هذا الاتجاه للحل الثوري، وتجاهل الحوار مع العسكريين. وفي اتجاه أخر، تبنى المؤتمر الشعبي أن المجلس العسكري يمثل مجلس السيادة  في حالة تعثر التوافق بين الأحزاب، وهو موقف قريب من الحركات الإسلامية، بحيث لا يرون ضرورة لاستبعاد العسكريين من الترتيبات الانتقالية.

ولذلك اتسم رد تحالف ” الحرية والتغيير” بالطابع التعبوي عندما يحاول إرساء أن التغيير الثوري مبدأ عمل أساسي للمرحلة الحالية، حيث تركز على نقل السلطة للمدنيين، وأنه لم يميز بين الوثيقة الدستورية الخاصة بهياكل السلطة وبين طبيعة الدستور الانتقالي واعتبرها نوعاً من المزايدة، وفيما يتكلم المجلس عن إجراء اتخابات في حالة تعثر المفاوضات، يحذر بيان التغيير من إطالة أمد التفاوض دون الوصول لنتيجة، مما يعكس عمق الخلاف وانهيار الثقة بين الأحزاب القومية والمؤسسة العسكرية.

ولدى النظر في مقترح الحرية والتغيير”، يتضح أنه يميل للدخول في الأشكال الإجرائية، وليس إثارة الأفكار والتوجهات السياسية، ومن وجهة حسن الظن في التفسير، يمكن القول أن التحالف سار نحو الانشغال بمطالب نقل السلطة والسياسات اللازمة لإعادة هيكلة النظام السياسي، غير أن الأخذ في الاعتبار المرجعية الفكرية وراء مقترح الإعلان الدستوري، يكشف عن تماسك مواقفهم تجاه أولوية إعادة الهيكلة السياسية واستبعاد الأفكار الإسلامية، وقد ظهر ذلك عندما دعت لإلغاء دستور 2005 دون اقتراح مرجعية بديلة، وفي هذا السياق، ذهب الحزب الشيوعي إلى أن الهدف من إرسال المقترح للمجلس لم يكن لتقييمها وإنما إطلاعه عليها، وتوضيح حهام مجلس السياسة والعلاقة بين مكونات السلطة الانتقالية، ويتسق هذا التفسير مع تطلعات تحالف التغيير لنقل السلطة للمدنيين.

وعلى الرغم من تلاقي كل المقترحات على اللامركزية، لايبدو أنها تختلف عن رؤى الأحزاب في الفترة اللاحقة لانقلاب 1989، حيث برز ثلاث صيغ لتوزيع السلطة بين الحكومة المركزية وبين الأقاليم، وكانت الصيغة الأولى، متمثلة في النمط المركزي، حيث يغلب على توزيع السلطات بين الحكومة المركزية والولايات الشمالية، النمط شبه المركزى، فقد شملت الاختصاصات المركزية العناصر الممثلة لسيادة الدولة؛ السياسة الخارجية، الدفاع، والضرائب، فيما تركت الخدمات المحلية داخل الإقليم لحكومة الولاية. أما الصيغة الثانية، حيث التوسع فى اللامركزية: حيث التوسيع اختصاصات ولاية جنوب السودان، فتختص بالشئون الأمنية، والتواصل مع الحكومات الأجنبية، وفرض وجباية الضرائب، والتجارة عبر الحدود وجباية الرسوم الجمركية، وفر هذا النمط الأرضية لتعزيز خيارات لانفصال الجنوب، وبالتالي، فإن التوسع في اللامركزية مع استمرار الأزمة السياسية، يمكن أن يساهم في تعزيز المطالب الفيدرالية أو تقرير المصير.

تفكك النظام الحزبي
وبشكل عام يعد انقلاب يونيو 1989 محدداً رئيسياً في أزمة الثقة بين الأطراف السودانية، حيث أن تسارع ثلاثة تيارات على الاستيلاء على السلطة، حزب البعث، القيادة العامة، الجبهة الإسلامية، ساهم في ترسيخ استقطاب علماني إسلامي ظلت آثاره الثأرية مستمرة في العلاقة بين الحكومة والمعارضة.، كما ينعكس في تنامي الظاهرة الاستبعادية من المشاركة في المرحلة الانتقالية.

ومنذ بدء الفترة الانتقالية في 2005 زاد الفصام بين الأحزاب السياسية، ومن ثم، ظلت قضايا الخلاف علي توزيع السلطة والثروة عاملاً رئيسياً في انفصال الجنوب واستمرر الحرب في دارفور، وبالتالي، يمكن القول، أن سياسات الحكومة لم توافر الضمانات الكافية لتوطيد الثقة الكافية لحل مشكلات السودان.

ويمكن ملاحظة أن السودان تشهد حالة متماثلة من ضعف وتفكك الأحزاب السياسية، التقليدية والحديثة، وبالتالي، تكمن تحديات إنجاز المرحلة الانتقالية في قدرة المجلس العسكري على الإستمرار في إعادة هيكلة الجهات العسكرية والأمنية وإعادة دمجها في الجيش، وتوضح المؤشرات الحالية أن توجهات إعادة الهيكلة سوف تسير نحو استبعاد ميراث الحركة الإسلامية المؤتمر الوطني من مؤسسات الدولة.

تواجه البنية الهشة للديناميات السياسية في السودان تحديات مختلفة، وهي تنحدر من مصدرين مهمين، الأول، حيث تظل المقترحات السياسية والدستورية خالية من محتوى يعبر عن المستقبل، فقد ظلت كلها تدور في الكشف عن الاختلافات بين الأحزاب والمجلس العسكري الانتقالي، ما يشكل حالة من فقر الخيال السياسي يؤهل للاستمرار في الحالة الانتقالية ، الدائرة الشريرة وفقاً للأدبيات السياسية السودانية، أما المصدر الثاني، حيث تقع الدولة تحت تناقض المطالب دولية المنقسمة ما بين دعم المجلس العسكري، ونقل السلطة للمدنيين، بشكل يزيد من حدة الانقسام السياسي والاجتماعية.

لا يوجد تعليقات.