العلاقات التركية الأردنية بين الملفات الاقتصادية والاستقطابات الإقليمية

محمد صادق أمين (خاص)

875

فتحت أول زيارة خارجية لرئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز إلى تركيا، الباب على التكهنات حول طبيعة التحولات في العلاقات والتحالفات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، فعمّان محسوبة على المحور السعودي الإماراتي الذي سعى حثيثاً للتأثير سلباً على الدور الإقليمي لتركيا، كما تورط في مسلسل حصار قطر سيء الإخراج.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية المستحكمة التي تمر بها المملكة الأردنية وخذلان الرياض وأبو ظبي لها، بسبب مواقفها من ملف فلسطين والقدس وما يسمى بـ”صفقة القرن”، يلاحظ المراقبون أن المملكة تُراجع حساباتها وتغير بهدوء خطة اصطفافها وتحالفها الإقليمي.

ملفات تهم الطرفين

استهلال الرزاز نشاطه السياسي الخارجي بزيارة أنقرة، صحبة وزراء الخارجية والعدل والصناعة والتجارة، يعكس طبيعة الملفات التي طرحت على طاولة البحث مع الجانب التركي.
عمر فاروق أوغلو، أستاذ العلاقات الدولية، رأى أن أنقرة وعمّان “تتشاركان سياسياً في العديد من الملفات وعلى رأسها الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وخصوصاً ملف القدس بعد نقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سفارة بلاده إليها، وما يمثله ذلك من اعتراف بالتغيير الديموغرافي للاحتلال الصهيوني عبر التهويد ومصادرة ممتلكات الفلسطينيين، وفي تقديري أن الطرفين لهما نفس القلق في النظر إلى تراجع الاهتمام الإقليمي بالقضية، والذي تجسد في ضعف التمثيل الذي شهدته قمتي القدس التان استضافتهما إسطنبول بخصوص هذه القضية”، مشيراً إلى أن “حضور العاهل الأردني للقمتين أثار انزعاج الرياض وأبو ظبي التان خفضتا تمثيلهما في القمتين إلى أدنى مستوى، ومن هنا بدأ مؤشر افتراق عمّان عن حلفائها الذين راهنت عليهم”.
وأضاف: أن “الملف السوري يشكل هماً آخر للبلدين، فلكل منهما حدود طويلة مع سوريا يتوزع على طرفيها اللاجئون إلى جانب المعارضة المسلحة وغير المسلحة، في ظل موقف إقليمي معقد ومرتبك لكثرة التداخلات الدولية في القضية، لذلك بات تنسيق المواقف بين البلدين حاجة ملحة في هذا الموضوع من الناحيتين السياسة والعسكرية”.
ويشكل البعد الاقتصادي أهمية بالغة للأردن بسبب أزمته الاقتصادية المزمنة، كما أن تركيا تحرص على فتح أسواق الشرق الأوسط أمام بضائعها ومنتجاتها.
لذلك تشكل القضايا الاقتصادية والتجارية والاستثمارية صلب اهتمام رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز، الذي تولى منصبه في يونيو الماضي، إثر احتجاجات شعبية أطاحت بحكومة سلفه.
المحلل الاقتصادي سامر الحلبي، قال: إن “العلاقة الاقتصادية التركية الأردنية شهدت تأرجحاً في السنوات الماضية بسبب تداعيات الخلافات السياسية في الإقليم التي أدت الى استقطابات المحاور، ففي مايو الماضي، ألغى الأردن اتفاقية التجارة الحرة المبرمة مع أنقرة عام 2009، وفرض إثر ذلك رسوماً جمركية على البضائع التركية، وعلى الأرجح أن زيارة الرزاز ستحيي هذه الاتفاقية من جديد، خصوصاً بعد ناي عمّان عن محور الرياض أبو ظبي الذي كان وراء إلغاء الاتفاقية”.
وتابع: “في عام 2010 كان حجم التجارة بين تركيا والاردن 615 مليون دولار، وفي بداية الحرب السورية نزل هذا الرقم الى 500 مليون دولار، ثم ارتفع إلى 800 مليون، لذلك رفع حجم التجارة سيكون أول أثار التقارب التركي الأردني”.

تغيير في التحالفات

شهد الأردن في يناير الماضي، مظاهرات شعبية واسعة بسبب حزمة تعديلات ضريبية فجرت غضب الشارع من تردي الأوضاع المعيشية، وربط محللون تأزم الاقتصاد الأردني حينها بعوامل خارجية أهما وقف حلفاء عمّان التقليديين مساعداتهم المالية بسبب موقف المملكة من ملف القدس، وبحسب مراقبين سعت عمّان الى تغيير خارطة تحالفاتها الإقليمية، وتركيا هي الرهان الأفضل بهذا الصدد.
أستاذ العلاقات الدولية، أشار إلى أن “هناك جملة مؤشرات ظهرت مؤخراً تؤكد كلها على أن التقارب التركي الأردني يتخذ منحى التحول الاستراتيجي، من العلاقة التقليدية إلى التحالف”، منوهاً إلى أن “العلاقات بين الجانبين شهدت تحسنا، بعد وقوف تركيا إلى جانب المملكة في التصدّي لقرار ترامب، بخصوص نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، حيث قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال القمة الإسلامية الطارئة التي عقدت في أنقرة العام الماضي، إنه وبلاده على تعاون مع الملك عبد الله الثاني والأردن، بصفته حامي المقدسات الإسلامية في القدس ضد الاعتداءات الإسرائيلية”.
وتابع: “كما أن زيارة الرزاز جاءت بعد مكالمة هاتفية بين الملك عبدالله والرئيس أردوغان، وبعد قيام تركيا بتسليم مطلوب للسلطات الأردنية هو عوني مطيع المتهم بقضايا تتعلق بالفساد”.
المحلل الاقتصادي سامر الحلبي يتفق مع هذا الطرح، ويضيف: أن “المساعدات السعودية الإماراتية للأردن جاءت العام الماضي أقل من التوقعات، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة منها عبارة عن قروض وودائع، وهذه مسكنّات مؤقتة لم تساهم سوى بنسبة ضئيلة في تحريك الأوضاع المالية المتأزمة”.
واستدرك: “كما أن المساعدات التي أقرت من قبل السعودية والكويت والامارات بعد أزمة المظاهرات الشعبية والتي بلغت 2.5 مليار دولار غير واضحة المعالم حتى الآن وتفصيلاتها غير معلنة، وجملة هذه الوقائع جعلت الأردن يعيد حساباته في علاقاته وتحالفاته الإقليمية، وتركيا اليوم وكذا قطر أكثر مصداقية وشفافية في التعامل مع المملكة”.
وختم الحلبي بالقول، إنه يتوقع “أن يتوسع الأردن في دائرة تحسين علاقاته الإقليمية والنأي عن التجاذبات بين الأطراف، ولا استبعد أن يشمل ذلك التقارب مع إيران بعد تركيا”، مؤكداً أن “هذا الأمر يثير قلق السعودية، وما عزز مخاوفها بهذا الصدد هو المصافحة بين العاهل الأردني والرئيس الايراني حسن روحاني، في القمة الإسلامية التي عقدت بمايو الماضي، بمدينة إسطنبول، ما فسر على أنه مؤشر على إمكانية تقارب أردني إيراني”.
يشار إلى أن معدلات النمو في الأردن تراجعت في آخر 5 سنوات إلى حوالي 2.1% بعد أن تجاوزت قبل ذلك 6%، فيما ارتفعت نسبة الفقر إلى 20% بحسب تقديرات رسمية، وبلغت البطالة 18.4% خلال الربع الأول من العام الجاري، كما ارتفعت المديونية العامة للبلاد بشقيها الداخلي والخارجي إلى حوالي 39 مليار دولار، وانخفضت المساعدات الخارجية التي كان يتلقاها الأردن لدعم برامجه الإصلاحية.

لا يوجد تعليقات.