من اشترى مظاهرات العراق؟ ولمن؟ وبأي ثمن؟ أسئلة تنتظر إجابات

94

فجأة لم تعد للاحتجاجات العراقية أو ما أطلق عليها “ثورة تشرين” تلك الشرارة والحماسية التي اندلعت بها في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2019 في العاصمة بغداد ومحافظات وسط وجنوب البلاد كردة فعل غاضبة على تردي الأوضاع وتراجع مستوى الخدمات وانتشار الفساد في جميع القطاعات مع توسع رقعة البطالة بين الشباب.

وأثيرت تساؤلات بشأن دخول الاحتجاجات مرحلة الغيبوبة أو الجمود مع غياب شبه تام للبيانات الدورية التي كانت تصدر ردا على الأحداث والمواقف المختلفة من ساحة التحرير في بغداد بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي.

من اشترى المظاهرات؟

ومن التساؤلات المطروحة: لماذا صمت المحتجون؟ أين هي البيانات التي كانت تصدر من ساحات الاحتجاج؟ وهل تم بيع المظاهرات فعلا؟ أم ماذا؟ إذا كان الأمر فعلا كذلك فمن الذي باعها؟ ومن الذي اشتراها؟

وطالب المتظاهرون من البداية بإسقاط حكومة عادل عبد المهدي وتشكيل أخرى مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة، فضلا عن التنديد بالتدخلات الخارجية، ومنها الإيرانية.

وسقط في سبيل ذلك مئات القتلى وآلاف الجرحى، كما اعتقل المئات خلال المواجهات بين القوات العراقية والمحتجين باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ومنها القنص والرصاص الحي، ووصفت هذه الاحتجاجات بالأكثر دموية منذ 2003.

وعلى إثر ذلك اضطر عبد المهدي لتقديم استقالته في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي استجابة لطلب المرجع الديني الشيعي علي السيستاني، وتمهيدا لإجراء انتخابات جديدة تعمل على تهدئة الأوضاع في البلاد.

أين التوك توك؟

وواكبت الاحتجاجات وسائل إعلام مختلفة محلية وأجنبية ببث برامج تؤيد مطالب المتظاهرين، لكن هذه الأصوات غابت فجأة بعد تشكيل حكومة الكاظمي وأصبحت في ركود، ولم يعد الوجود الحماسي للتوك توك والدراجات النارية مع اختفاء عشرات الصفحات على فيسبوك وتويتر والمواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية التي كانت تدعم هذه الثورة.

ودفعت الظروف -التي مر بها العراق خلال الأشهر الأخيرة، ومنها تفشي فيروس كورونا- المظاهرات إلى منحى آخر، وأصبحت أصوات من مخيمات في ساحات التظاهر توصف بالمرتزقة -الذني تدعمه جهات وأحزاب سياسية مدعومة من دول إقليمية مدفوعة من أطراف سياسية- أكثر تأثيرا ووجودا من أصوات المتظاهرين المستقلين الذين خرجوا من أجل العراق فقط.

وأكثر ما يتأسف عليه المتظاهرون المستقلون هو سقوط الآلاف بين قتيل وجريح إلى جانب مئات المعتقلين والمغيبين، معتبرين أن الاحتجاجات قد بيعت من قبل “ضعاف النفوس” الذين كان جل همهم المكاسب الشخصية بعيدا عن مصلحة الوطن، حسب الناشط البارز في ساحة التحرير ببغداد ديار الربيعي.

انقسام الجمهور

ولم تكن ثورة تشرين ضد عبد المهدي كشخص كما يقول الربيعي، مضيفا أنها كانت ضد العملية السياسية الحالية الجارية برمتها، وتسعى لتغيير النظام السياسي السائد في البلاد والحكومة والبرلمان وقانون الانتخابات و”رواتب الرفحاويين” (وهم المعارضون في عهد الرئيس الراحل صدام حسين) “لكن للأسف لم تحقق المظاهرات سوى 40% من مطالبها بسبب المرتزقة الموجودين فيها”.

وما أدى إلى ضعف “ثورة تشرين” هو انقسام جمهورها إلى أحزاب وقوميات وطوائف، وبالتالي انعكس ذلك سلبا على حدتها.

وفي رده على سؤال بشأن لغز توقف الدعوات لكشف ومحاسبة قتلة المتظاهرين، يقول الباحث والمحلل السياسي حسين الركابي إن المظاهرات خرجت بدعم من قيادات سياسية مع وجود خيم في الساحات تدير المظاهرات تابعة لجهات سياسية.

وحصلت هذه التنسيقيات التابعة لأحزاب سياسية -حسب الركابي- على الضوء الأخضر من مموليها للانسحاب من ساحات الاعتصام، ولا سيما تلك الأطراف الموجودة في بعض الدول الإقليمية ودول الجوار.

وعزا الباحث العراقي أسباب تراجع الدعوات ضد الحكومة على أرض الواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى بيع المظاهرات من قبل أطراف قال إنها تجلس الآن في قصور القيادات السياسية وتتقاضى رواتب وأموالا خيالية لإفشال الاحتجاجات.

عودة المظاهرات

وحسب الركابي، فإنه مع وجود هذه التناقضات والشبهات لا يمكن القول إن الكاظمي يلبي طموح المتظاهرين ولا حتى الشعب العراقي عموما، مقترحا منحه 6 أشهر أو أكثر لمراقبة أداء حكومته وإمكانيته فيما إذا كان قادرا على قيادة الدولة ومؤسساتها ومكافحة الفساد ورؤوسه التي تتكاثر إضافة إلى الإرهاب.

وفي حال ضعف الكاظمي مثل من سبقه ستعود الاحتجاجات بقوة كما الحال مع محافظتي الناصرية وواسط ومناطق أخرى عادت إليها المظاهرات خلال هذه الأيام لسوء الخدمات -ومنها الكهرباء- لغياب الرؤية الحقيقية لمكافحة الفساد ومحاسبة رؤوسه.

مرحلة الصمت

وأصابت الحكومة الجديدة -التي جاءت بشعار تلبية مطالب المتظاهرين ومحاكمة القتلة وهي لم تحرك ساكنا بشأن هذه الملفات- عددا كبيرا من المنتفضين بـ”الخذلان”، لكن مع ذلك ما زالت المظاهرات مستمرة ولأهداف مختلفة.

وتراجعت الاحتجاجات عن مطالب كبرى تهم مستقبل البلاد كتعديل الدستور، وإقالة الحكومات المحلية، ومحاكمة الفاسدين، وتوفير فرص العمل إلى مطالب فرعية جزئية كإقالة مدير عام هنا أو هناك، مما يضفي صبغة محلية عليها فقط، وهذا بمثابة قضاء تدريجي على المظاهرات وقطع للتواصل بين حلقاتها في المحافظات المختلفة التي كانت تتشابه في المطالب، حسب الصحفي الاستقصائي منتظر ناصر.

ويرى ناصر أن الاحتجاجات دخلت مرحلة الصمت المؤقت، لكن من المرجح أن تعود أقوى من السابق إذا ما شعر المحتجون بعد شهور أن مطالبهم تم تسويفها للأبد.

ولعب القمع الوحشي والدموي الذي تعرض له أبرز النشطاء والفاعلين في هذا الحراك -سواء بعمليات اختطاف أو اغتيال أو ترهيب- دورا في دخول المظاهرات مرحلة الصمت المؤقت كما يرى ناصر.

وانتقد الصحفي العراقي في حديثه للجزيرة نت الحملة الإعلامية المضادة التي مارستها عدة وسائل إعلام حزبية بطرق لا تمت للإعلام المهني بصلة، والممارسات غير الأخلاقية التي كان يمارسها مندسون ينتمون لأحزاب وجماعات خارجة على القانون من أجل تشويه صورة المنتفضين الحقيقيين، والأجندة السياسية التي كانت تقف وراء جزء من هذا الحراك ولا يزال بعضها مجمدا والبعض الآخر مفعلا لغايات سياسية محددة.

المصدر : الجزيرة

لا يوجد تعليقات.