القوات الأمريكية بسوريا تنسحب لقواعدها في العراق وتوجه سهامها صوب طهران

محمد صادق أمين (خاص)

1٬300

الكثير من التكهنات والتحليلات يتم تداولها عالمياً منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سحب قوات بلاده بشكل مفاجئ من سوريا يوم الأربعاء (19 ديسمبر)، حول أسباب هذه الخطوة؛ وماهية الخطوة التالية التي ستتخذها واشنطن في المنطقة التي عملت على مدار عقدين على ترسيخ وجودها فيها.

وفيما يدور الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية حول قرار الرئيس، ويراجع الكونغرس الأمر وسط معارضة شديدة، اتسم الموقف الإقليمي والدولي بالتذبذب ما بين ترحيب وانتقاد وترقب وحذر، فالقرار أثار تحفظ حلفاء واشنطن في الغرب، فيما رحبت روسيا بحذر وترقب لما سيكون بعد ذلك، وأعربت تركيا عن ترحيب بلاد حدود معتبرة أنها خطوة في الاتجاه الصيح، بعكس إيران التي رحبت ومعها العراق لكنهما لم يخفيا ريبتهما من القرار.

انسحاب باتجاه العراق

مصدر عسكري عراقي كشف سر الريبة التي اتسم بها الموقف العراقي من قرار الانسحاب الأمريكي.

وقال المصدر المطلع في وزارة الدفاع العراقية، إن “مجموعة مؤشرات رصدها الجانب العراقي في الأيام الماضية، أوصلت الحكومة إلى قناعة أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيكون باتجاه الأراضي العراقية”.

وأضاف المصدر، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن “المؤشرات تشير إلى أن القوات الأمريكية ستتجه إلى قاعدتين، الأولى في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان في الشمال، والثانية في الغرب ستتجه إلى قاعدة عين الأسد في ناحية البغدادي القريبة من الحدود العراقية السورية غرباً”.

موضحاً أن “هذا التخمين بني على رصد أمرين اثنين عقب إعلان الرئيس الأمريكي، الأول قيام القوات الأمريكية بالانتشار في صحراء قضاء القائم الحدودي مع سوريا، حيث انتشرت بقواتها في المنطقة الصحراوية القريبة من الحد الفاصل بين البلدين منطلقة من قاعدة عين الأسد الواقعة في قضاء البغدادي غرب محافظة الأنبار، دون أن تنسق مع الجانب العراقي، أو وجود سبب لهذه المناورة”.

وأضاف: “كما تم رصد استعدادات في قاعدة عسكرية بمنطقة حرير التابعة لمحافظة أربيل، وهي من احدث القواعد التي أقامتها الولايات المتحدة على الأراضي العراقية” مشيراً إلى أن “هذه الاستعدادات بدت كأنها لاستقبال قطعات عسكرية، حيث تم تجهيز مساحات على الأرض لاستقبال آليات ثقيلة”.

ونوه المصدر، إلى أن “إقليم كردستان اتخذ خلال السنوات الماضية العديد من الخطوات الانفرادية بعيداً عن المركز في التعامل مع الملف الأمني والعسكري، وهذه القضية من أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، لذلك لايمكن استبعاد تنسيق الإقليم مع الجانب الأمريكي بهذا الخصوص”.

وكانت مصادر إعلامية محلية عراقية ذكرت أن قوات البيشمركة الكردية تستعد لإنشاء غرفة عمليات مشتركة مع القوات الأمريكية على الحدود السورية، إلا أن سلطات إقليم كردستان سارعت إلى نفي الخبر.

وقال الأمين العام لوزارة البيشمركة جبار الياور في مؤتمر صحفي، الأحد (23 ديسمبر)، إنه “لا يمكن القبول بدخول القوات الأمريكية القتالية المنسحبة من سوريا نحو القواعد الأمريكية في أربيل دون موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد”.

وأضاف: أن “ما تداولته وسائل الإعلام حول دخول القوات الأمريكية المنسحبة من سوريا باتجاه القواعد الأمريكية في أربيل غير دقيق وعار عن الصحة”، مؤكداً أن “أراضي إقليم كردستان لم تشهد إي دخول لقوات أمريكية قتالية إطلاقاً”.

اللافت أن الخارجية الأمريكية بادرت لبحث مسالة الانسحاب مع العراق بعد يومين من إعلان ترامب الانسحاب.

وقال مكتب رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، السبت (22 ديسمبر)، إنه “تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو شرح خلاله حيثيات الانسحاب”.

وأضاف في بيان: “أن بومبيو أكد استمرار أمريكا بالتزاماتها لمحاربة تنظيم الدولة في العراق وبقية المناطق”، متابعاً أن “الوزير الأمريكي أكد أن تطور الأمن في سوريا والوصول الى تسوية سياسية له علاقة مباشرة بالأمن العراقي واستقرار المنطقة”.

إيران في مرمى النار

متابعون للمشهد الإقليمي ربطوا بين خطوة الانسحاب الأمريكي ومجموعة أحداث إقليمية، وتحدثوا عن احتمال توجه إدارة ترامب إلى مواجهة عسكرية مطلع العام القادم مع إيران، بالتعاون مع السعودية ودولة الاحتلال الإسرائيلي.

الضابط في الجيش العراقي السابق، والمحلل العسكري أسعد إسماعيل شهاب، قال لـ”الخليج أونلاين”: إن “الرئيس الأمريكي ترامب يسعى لمواجهة عسكرية عاجلة ضد إيران مطلع العام القادم، لذلك الانسحاب من سوريا يسعى لتقوية القواعد الأمريكية الثمانية في العراق التي أسستها واشنطن خلال دعمها للحرب على “داعش” على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ففضلاً عن إرباك المشهد السوري وخلط الأوراق، أمريكا تريد أن تكون قواعدها محورية في المواجهة”.

وأضاف شهاب، المدرس السابق في كلية الأركان العراقية: أن “مواجهة عسكرية مع إيران أصبحت حاجة ملحة، لإعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط حسب رؤية صفقة القرن، بعد أن خلطت عملية مقتل خاشقجي الأوراق ووضعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قفص الإدانة الدولية والمطالبة بإزاحته كشرط لعودة المياه إلى مجاريها مع السعودية”.

وتابع: “إدارة ترامب التي تمثل اليمين المتصهين في أمريكا وتدعم إسرائيل بلا حدود، تدرك أن لابديل لبن سلمان يمضي بعجلة التطبيع وفق رؤيتها، وأن ذهابه يعني تأخير تنفيذ صفقة القرن إلى أجل بعيد، لذلك لا ينقذ ولي العهد السعودي إلا مواجهة إقليمية بشراكة معلنة بين تل أبيب والرياض وواشنطن، تزيل الخطر الإيراني وتُسرع عملية التطبيع في المنطقة”.

وأشار شهاب إلى أن “محاولة إشعال مواجهة في غزة دون وجود مبرر لذلك، وبعدها مباشرة إثارة أزمة مع لبنان بخصوص الأنفاق على الحدود، كانت محاولة لإبعاد الأضواء عن عملية مقتل خاشقجي، وقد نجح الأمر إذ أن تراجع الاهتمام بالموضوع أصبح واضحاً لا تخطئه العين، وستكون المواجهة مع إيران بداية جديدة لعلاقات سعودية إسرائيلية معلنة تدخل صفقة القرن حيز التنفيذ”.

تجدر الإشارة إلى أن، حاملة الطائرات الأميركية، جون ستينيس، عادت إلى مياه الخليج العربي جنوب إيران بالتزامن مع اعلان الانسحاب من سوريا، ومع إجراء قوات الحرس الثوري للمرحلة الأخيرة من مناورات “الرسول الأعظم 12″، وتكتسب هذه المناورات أهمية بالغة لعدة أسباب أهمها؛ أن الحرس الثوري وصفها بالهجومية، وهي الأولى من نوعها على هذا الصعيد، وثانيها أنها تزامنت مع زيادة مستوى العقوبات على طهران التي لوحت باحتمال إغلاق مضيق هرمز إذا منعت من تصدير نفطها.

قائد القوات البرية التابعة للحرس الثوري، محمد باكبور، وهي القوات التي أجرت المناورات إلى جانب وحدات من القوات الخاصة والمغاوير، أعلن أن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية ككل دفاعية، لكن تكتيك هذه المناورات بالذات هجومي، فبلاده لن تقف مكتوفة الأيدي ولن تجلس خلف السواتر إذا تعرضت لهجوم، بل ستهاجم الأعداء دون تردد، بحسب وصفه.

من جهته وجه قائد قاعدة خاتم الأنبياء، غلام علي رشيد، من أرض المناورات تحذيراً شديد اللهجة للسعودية والإمارات، وقال في تصريحات صحافية، إن “إيران تسعى لعلاقات أخوية مع جيرانها، لكنها تحذر الأطراف التي تهيئ أرضيات لتدخل قوى الاستكبار من دفع ثمن كبير”، محذراً من “فوضى عارمة في المنطقة، إذا ما قررت واشنطن اتخاذ قرار هذه المغامرة الجريئة للغاية”.

لا يوجد تعليقات.