شركات أمنية عراقية تسرق معداتها وأموالها لتجنب دفع المستحقات عليها

223

تنامى عمل الشركات الأمنية في العراق بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، عندما منحها الحاكم الأميركي المدني السابق بول بريمر حرية العمل لتأدية مهامها وتوفير خدمات الحماية، وتم تسجيلها في مديرية تسجيل وتقييم الشركات الأمنية الخاصة التابعة لوزارة الداخلية العراقية، وبعدها بدأ عمل الشركات المحلية.

وبحسب محللين أمنيين، ترتبط غالبية هذه الشركات بالأذرع المسلحة التابعة للأحزاب النافذة في البلاد لمنع التصادم معها أو تسهيل عملها، وبهذه الطريقة يتمكن مسؤولو الشركات الأمنية في بغداد من الحصول على تصاريح المرور وتصاريح الأسلحة.

ونتج عن هذه التسهيلات حادث سرقة غامض تعرضت له إحدى الشركات الأمنية في حي الكرادة وسط بغداد قبل أيام، مما طرح تساؤلات عديدة في الشارع العراقي بشأن من يقف وراء ذلك، وهل هي خدعة للاستيلاء على المعدات والأموال المسروقة؟

التفاف وتحايل

وبعد التقصي والتحقيقات التي أجرتها وزارة الداخلية العراقية، تبين أن الحادث مُفتعل ودبّرته الشركة نفسها لتجنب دفع المستحقات المطلوبة منها إلى الوزارة بعد انتهاء مدة عقدها. ولجأت الشركة إلى هذه الحيلة لتظهر أن الأمر مجرد حادث سرقة كما تداولته وسائل الإعلام.

ويؤكد مسؤولون أمنيون عراقيون -رفضوا الكشف عن أسمائهم- أن الحادث وقع الأسبوع الماضي أثناء أول أيام الحظر الجزئي المفروض في بغداد للحد من انتشار جائحة كورونا، وتم خلاله سرقة 21 عجلة (عربة) ومبلغ قدره 110 ملايين دينار عراقي (نحو 75 ألف دولار) وأكثر من 35 بندقية كلاشنكوف.

والشركة المعنية مقرها الرئيسي في كربلاء جنوب بغداد، وحدثت السرقة في فرعها الرئيسي في بغداد، وهي غير ملزمة بدفع أي مستحقات لوزارة الداخلية في حال تعرضها لأي سرقة، بمقتضى العقود الرسمية الموقعة مع الشركات الأمنية. وبحسب هذه العقود، يحق لوزارة الداخلية مصادرة كافة المعدات من الأسلحة والسيارات والأموال التابعة للشركات الأمنية المتعاقدة معها في حال انتهاء عقدها.

وتجدد هذه الشركات اعتمادها أو عملها مع الوزارة في حال كان لديها عقد مع أحد المصارف المعترف بها رسميا، مثل البنك المركزي العراقي.

رد الداخلية

المصادر الرسمية لوزارة الداخلية نفت وجود نوع من الاحتيال على القانون، كما يقول المتحدث الرسمي للوزارة اللواء خالد المحنا، والذي أكد أن القضية خيانة للأمانة وخلافات بين شخصيات داخل الشركة نفسها، وتم إصدار مذكرة إلقاء القبض على الشخص المتهم، ولم يتم اعتقاله ولا استرداد المسروقات بعد.

وتعليقا على ذلك، يقول المحلل الأمني سجاد جياد إنه لم يتفاجأ بهذه السرقة المُفتعلة بعد عدة عقود واستثمارات تم تمريرها تحت شبهات فساد بعد عام 2003، وبالأخص المتعلقة بالأمن والطاقة.

وحول الاتهامات التي توجّه أحيانا لوزارة الداخلية باستهداف الشركات الأمنية الخاصة لنزع المصداقية عنها من أجل الترويج للشركات المرتبطة بالفصائل المسلحة الموالية للأحزاب النافذة بدلا منها، قال متحدث باسم الوزارة طالبا عدم الكشف عن اسمه إن هناك تفتيشا دوريا لهذه الشركات لتحديد عملها، وعدم اتخاذها أي إجراءات مخالفة للشروط المتفق عليها، مثل خروج العجلات خارج إطار الواجب المحدد لها.

وأكد أن الوزارة وضعت شرطا أن يكون المنتسب إلى الشركات الأمنية من “ذوي الشهداء”، وبعد موافقة الداخلية على عمل أي شركة محلية فإنها تخاطب الأمن الوطني للمصادقة على منحها الإجازة، أما بالنسبة للشركات الأجنبية و فروعها فإن الوزارة ترفع مقترح عملها إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليه، كشرط أساسي لمنح الإجازة.

ويشير جياد إلى أن استهداف أي شركة أمنية من قبل أي جهة حكومية لغرض ترجيح وترويج شركات أخرى على صلة بجهات سياسية وأمنية، سيتسبب في إبعاد الشركات المستثمرة في العراق أو الراغبة بالاستثمار، ويعرقل عمل الشركات النفطية التي غالبا ما تتعاقد مع شركات أمنية خاصة. ويشدد على ضرورة تفعيل دور أجهزة الدولة لمكافحة الفساد، لأن هذه القضية تمس صلب الاقتصاد العراقي ومن أخطر أنواع الفساد من ناحية النتائج.

تلاعب بالعقود

من جهته يؤكد الموظف السابق في شركة “تايكر سوان” الأمنية في بغداد خلدون مصطفى، صعوبة حدوث أي سرقة من مصدر خارجي، بسبب وجود نظام الحماية المحترف لهذه الشركات والتي تمنع الاصطدام المسلح هجوميا إلا في حال الدفاع فقط، ما لم يتم التعاون مع منتسبي الشركة أنفسهم.

وأشار إلى أن الشركات المحلية باتت في الآونة الأخيرة غير مهنية بالتعامل مع موظفيها، فمثلا قد يُلزم العقد إحدى الشركات بدفع حوالي ألف دولار للحارس الأمني، لكنها في الواقع تدفع له 400 دولار فقط، مع إهمال الضمان الاجتماعي.

وعند وقوع أي حادث سرقة -بحسب مصطفى- تقوم الشركة بإنهاء خدمات المنتسب المتهم مع مخاطبة وزارة الداخلية بهذا الأمر، وقد تتغاضى بعض الشركات عن مخاطبة الوزارة فتكتفي بإنهاء العقد فقط.

ويشدد على أن الشركات الأمنية تتكتم عن نشر أي تفاصيل عن هذه الحوادث، خاصة تلك المتعاقدة مع الشركات النفطية، لكي لا يؤثر سلبا على سمعتها وعقودها.

صداع الشركات النفطية

وتعليقا على ذلك، يرى المحلل الأمني البريطاني ديفيد بينز -المهتم بالشأن العراقي- أن أي نوع من الحيل التي ينفذها متعاقدو الشركات الأمنية بإمكانها التسبب بأضرار كبيرة للشركات النفطية في العراق، كما أن السرقات الداخلية للمعدات والأموال تحدث أحيانا في الشركات الأمنية، ولكنها أول مرة تحدث فيها سرقة بهذا الضرر الكبير.

واعتبر أن هذا الحادث مثال على المشكلات التي غالبًا ما تشتكي منها شركات النفط الدولية العاملة في العراق، حيث أدى منح عقود أمنية مربحة للشركات المحلية غالبا إلى نزاعات تعاقدية وسرقة للمعدات مهما كان الهدف منها.

ويرى بينز أن هذا النوع من السرقات الداخلية يحدث كثيرا، لكن وزارة الداخلية تطلب من شركات النفط العالمية التعاقد مع شركات الأمن المحلية بدلا من الشركات الدولية المعروفة، وهذا هو مكمن الخطر بالنسبة للشركات النفطية.

المصدر : الجزيرة

لا يوجد تعليقات.